دخلت سبوتيفاي سوق البودكاست في أميركا اللاتينية عام 2019 بقوة غير مسبوقة، بعدما موّلت مئات البرامج وقدمت ميزانيات مغرية جعلتها تتحول إلى المحرك الرئيسي لازدهار القطاع، حتى سيطرت على ما يقارب 90% من السوق.
سبوتيفاي من صعود البودكاست في أميركا اللاتينية إلى مرحلة التصحيح الصعب
بعد أربع سنوات فقط، قررت الشركة تجميد التمويل وإلغاء عقود الإنتاج، الأمر الذي ترك فراغًا كبيرًا أربك شركات الإنتاج وصنّاع المحتوى الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أزمة حقيقية. هذا التراجع انعكس مباشرة على أعمال لاقت نجاحًا عالميًا، مثل بودكاست “نساء شجاعات” الحاصل على جائزة غابو 2023، والذي ما زال يبحث عن تمويل لموسم ثانٍ بعد توقف دعم المنصة.
سبوتيفاي من صعود البودكاست في أميركا اللاتينية إلى مرحلة التصحيح الصعب
تجربة أميركا تعاد في أميركا اللاتينية
المشهد لم يكن جديدًا، فقد سبقه ما حدث في الولايات المتحدة حيث أنفقت سبوتيفاي مئات الملايين على الاستحواذات والإنتاجات، قبل أن تبدأ بتقليص ميزانياتها وتسريح مئات الموظفين. لكن الفارق أن السوق الأميركية أكثر تنوعًا، بينما كانت سبوتيفاي في أميركا اللاتينية المهيمن الوحيد، ما جعل أثر انسحابها مضاعفًا.
ميزانيات غير مسبوقة صنعت صناعة جديدة
في بدايات الاستثمار، قدّمت سبوتيفاي ميزانيات تفوق بأضعاف ما اعتاد عليه المنتجون المحليون، الأمر الذي جذب مئات المبدعين من خلفيات السينما والإذاعة والإعلانات لدخول صناعة البودكاست. ويصف المنتج الأرجنتيني لوتشيانو بانشيرو التجربة بقوله: “هنا بدا الأمر وكأن سبوتيفاي هي التي أسست الصناعة بأكملها”.
حتى عام 2022، كانت الشركة تؤكد لمستثمريها استمرار الاستثمار الكبير في المحتوى الصوتي، لكن سرعان ما تغيّر الوضع مع تراجع سعر سهمها. وفي 2023، اعترف الرئيس التنفيذي دانيال إيك بأن الشركة وقعت في فخ “الإفراط في الدفع والاستثمار”، لتبدأ مرحلة جديدة أكثر حذرًا وتقشفًا.
اليوم، يتجه بعض منتجي البودكاست نحو الفيديو ومنصات مثل يوتيوب، فيما يواصل آخرون التجربة عبر إنتاج مستقل بعيدًا عن سبوتيفاي. وتصف ماريا خيسوس إسبينوزا دي لوس مونتيروس، من مجموعة بريسا الإعلامية، المشهد الحالي بأنه ليس مجرد أزمة، بل هو “تصحيح للسوق”.
ورغم أن شركات إعلامية أخرى أعلنت خططًا لزيادة استثماراتها في المجال، إلا أن أحدًا لن يضاهي إنفاق سبوتيفاي في أوجها، ما يشير إلى أن الصناعة ستسلك مسارًا أبطأ نموًا، لكنه ربما يكون أكثر استدامة على المدى الطويل.