أخبار تقنية

فرضية ريمان تقترب من اختراق جديد بفضل نموذج ذكاء اصطناعي سري من أنثروبيك

Published

on

حققت فرضية ريمان تقدماً لافتاً بمساعدة نموذج ذكاء اصطناعي غير معلن من شركة أنثروبيك، بعدما تمكن النظام من رفع الحد الأدنى للنطاق الذي أمكن التحقق فيه من صحة الفرضية، في خطوة تعيد تسليط الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع مسائل رياضية معقدة ظلت مفتوحة لأكثر من 150 عاماً.

ورغم أن النموذج لم يقدم حتى الآن برهاناً نهائياً للفرضية، فإن التجربة تمثل تقدماً مهماً، خصوصاً بعدما اختبر مئات الأفكار الرياضية بالاعتماد على مجموعة كبيرة من الوكلاء الفرعيين، قبل إخضاع النتائج لمراجعة بشرية وتحقيق رسمي باستخدام أدوات متخصصة.

فرضية ريمان تدخل مرحلة جديدة مع الذكاء الاصطناعي

تُعد فرضية ريمان واحدة من أشهر المسائل غير المحلولة في الرياضيات، وترتبط بصورة أساسية بطريقة توزيع الأعداد الأولية.

وطرحت الفرضية لأول مرة في القرن التاسع عشر، وأصبحت منذ ذلك الوقت من أهم التحديات التي يسعى علماء الرياضيات إلى حلها. وقد أدرجها معهد Clay Mathematics Institute ضمن مسائل الألفية، مع تخصيص جائزة قدرها مليون دولار لأي شخص يقدم برهاناً عاماً صحيحاً لها.

لكن النموذج الذي طورته أنثروبيك لم يصل إلى الحل النهائي، وإنما حقق تقدماً في التحقق من الفرضية ضمن نطاق أكبر بكثير مما كان مثبتاً من قبل.

وبدأت التجربة عندما طلب أحد موظفي الشركة من النموذج أن يحاول بجدية إثبات المسألة، ثم تُرك النظام للعمل بصورة مستقلة لمدة تقارب 36 ساعة.

وخلال هذه الفترة، جرّب النموذج نحو 650 فكرة مختلفة، مستعيناً بنحو 60 وكيلاً فرعياً للمساعدة في البحث عن المسارات الرياضية الممكنة.

650 محاولة و60 وكيلاً فرعياً

كشفت تفاصيل التجربة عن طريقة مختلفة في التعامل مع المسائل الرياضية المعقدة، إذ لم يعمل نموذج واحد على البحث من البداية إلى النهاية، وإنما جرى توزيع المهام على عدد كبير من الوكلاء المتخصصين.

واستخدم النظام نحو 31 مليون رمز من مخرجاته خلال فترة التجربة، بينما تولى اثنان من الوكلاء تطوير الأفكار الرياضية الأساسية.

وساهم 13 وكيلاً آخر في اقتراح أفكار لهذين العاملين، بينما حاول 30 وكيلاً إضافياً البحث عن مسارات وحلول جديدة، حتى إن لم تؤدِ جميعها إلى نتائج ناجحة.

وفي مرحلة لاحقة، تولى 13 وكيلاً مهمة مراجعة الحجج الرياضية والتحقق من سلامتها، بينما شارك وكيلان آخران في إعداد المسودة الأولية للبحث.

ويعكس هذا الأسلوب تحولاً مهماً في طريقة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد دورها مقتصراً على الإجابة عن سؤال واحد، بل أصبحت قادرة على تقسيم مشكلة معقدة إلى مهام متعددة والعمل عليها بصورة متوازية.

وتُظهر تجربة فرضية ريمان كذلك أن الوصول إلى نتيجة رياضية مهمة قد يتطلب الجمع بين توليد الأفكار والمراجعة والتدقيق المستقل، بدلاً من الاعتماد على أول إجابة ينتجها النموذج.

فرضية ريمان تقترب من اختراق جديد بفضل نموذج ذكاء اصطناعي سري من أنثروبيك

علماء الرياضيات يتحققون من نتائج النموذج

لم تترك أنثروبيك مهمة تقييم النتائج للنموذج وحده، إذ راجع عالمان متخصصان في الرياضيات من داخل الشركة ما توصل إليه النظام وتحققا من صحة النتائج.

كما جرى تحويل النتائج إلى صيغة رسمية باستخدام Lean، وهو مساعد برهان مفتوح المصدر يمكنه التحقق آلياً من صحة الحجج الرياضية وفق القواعد المحددة له.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن النماذج اللغوية قد تنتج أحياناً استدلالات تبدو منطقية لكنها تحتوي على أخطاء دقيقة يصعب اكتشافها بالقراءة السريعة.

وتأتي تجربة فرضية ريمان ضمن موجة متزايدة من المحاولات لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في البحث الرياضي المتقدم.

وخلال الفترة الأخيرة، تمكنت نماذج مختلفة من حل مسائل مرتبطة بمشكلات رياضية معروفة، بينما أعلنت شركات ذكاء اصطناعي أخرى عن نتائج جديدة في مجالات رياضية كانت تتطلب سابقاً جهداً بشرياً كبيراً.

كما تمكنت جهود منفصلة من أنثروبيك من دحض حدسية جاكوبيان التي شكلت موضوعاً للبحث الرياضي لفترة طويلة، في مؤشر آخر على اتساع نطاق استخدام النماذج المتقدمة في الرياضيات.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تغيير مستقبل الرياضيات؟

رغم الحماس الذي تثيره هذه التطورات، فإن دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجال الرياضيات يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الاكتشاف الرياضي ودور الإنسان فيه.

فقد حذر عدد من علماء الرياضيات في إعلان صدر خلال يونيو من أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يغير بعض القيم الأساسية في المجال، خصوصاً ما يتعلق بإسناد الاكتشافات إلى أشخاص محددين يتحملون مسؤولية النتائج التي يقدمونها.

وتطرح هذه القضية سؤالاً مهماً: إذا تمكن نظام ذكاء اصطناعي من اكتشاف فكرة رياضية جديدة أو الوصول إلى برهان لم يكن معروفاً من قبل، فمن الذي يجب أن ينسب إليه هذا الاكتشاف؟

ولا يوجد حتى الآن اتفاق واضح داخل المجتمع الرياضي بشأن الإجابة عن هذا السؤال، خصوصاً مع تطور النماذج التي أصبحت قادرة على العمل لفترات طويلة وتوزيع المهام على وكلاء متعددين.

ويرى عالم الرياضيات الحائز على ميدالية فيلدز تيموثي غاورز أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يقود الرياضيات إلى مسار أكثر تعقيداً، وربما يحمل في الوقت نفسه فرصاً جديدة.

وقد يصبح من الممكن مستقبلاً التعامل مع النظريات الرياضية باعتبارها نتاجاً جماعياً بين البشر والأنظمة الذكية، بدلاً من ربط كل اكتشاف باسم عالم واحد.

ومع ذلك، فإن فرضية ريمان لا تزال بلا حل نهائي حتى الآن، وما حققه نموذج أنثروبيك يمثل تقدماً في دراسة المسألة وليس إثباتاً عاماً لصحتها.

لكن التجربة توضح أن الذكاء الاصطناعي بدأ ينتقل من مرحلة مساعدة الباحثين في الحسابات والتحليل إلى محاولة اكتشاف مسارات جديدة في مسائل ظلت عصية على الحل لعقود طويلة، وهو ما قد يجعل السنوات المقبلة أكثر إثارة بالنسبة إلى مستقبل البحث الرياضي.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending

Exit mobile version