شهد قطاع الحوسبة السحابية نمواً هائلاً، ولكنه يقع تحت سيطرة احتكارية لعدد محدود من شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، في مقدمتها شركة أمازون. هذا التركّز يفاقم المخاوف، إذ إن أي عطل تقني يصيب إحدى هذه الشركات يتردد صداه عالمياً، نظراً للاعتماد الكلي لغالبية خدمات الإنترنت والبنية الرقمية الحيوية على هذه الأساسيات.
هشاشة السحابة كيف تهدد أعطال عمالقة التكنولوجيا الأمريكية الاقتصاد العالمي
هشاشة السحابة كيف تهدد أعطال عمالقة التكنولوجيا الأمريكية الاقتصاد العالمي
يشير مفهوم الحوسبة السحابية (الخدمات السحابية) إلى استبدال الشركات للخوادم المحلية الخاصة بها بمراكز بيانات خارجية توفرها شركات متخصصة مثل “أمازون ويب سيرفيسز AWS” و”مايكروسوفت آزور”. هذا النموذج يسمح للمؤسسات بالدفع مقابل الموارد المستخدمة شهرياً، مما يغنيها عن الاستثمار الضخم في البنية التحتية المحلية وتكاليف الصيانة المستمرة.
تزايدت أهمية هذا القطاع بشكل خاص مع طفرة الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب قدرات معالجة هائلة لتشغيل تطبيقات متقدمة مثل روبوتات الدردشة (ChatGPT). وفي هذا السياق، أكدت أمازون عزمها استثمار نحو 100 مليار دولار هذا العام لتعزيز بنيتها التحتية لدعم هذه التقنيات.
تُعد هذه الخدمات الرافد الربحي الأثمن لشركات التكنولوجيا، وتُوصف AWS بأنها “الجوهرة الثمينة” في أعمال أمازون، إذ أسهمت بنحو 60% من أرباحها العام الماضي. ويتوقع المحللون أن تتجاوز إيرادات أمازون من هذا القطاع 126 مليار دولار للسنة المالية الحالية، وقُدّرت قيمتها السوقية بنحو 1.4 تريليون دولار، أي ما يزيد عن 57% من القيمة السوقية الإجمالية للشركة. ويُلاحظ هذا النمو المماثل في النتائج المالية لشركات مايكروسوفت وجوجل.
شهد شهر أكتوبر الجاري انقطاعاً واسعاً في خدمات AWS، مما أدى إلى تعطل تطبيقات رئيسية عالمياً، بما في ذلك ChatGPT، سناب شات، وواتساب، بالإضافة إلى صعوبة وصول المستخدمين لخدمات حكومية ومصرفية في بعض أنحاء العالم.
عزت أمازون الخلل إلى مشكلات في أحد مراكز بياناتها بولاية فيرجينيا الأمريكية، حيث أدى عطل في خدمة قواعد البيانات (DynamoDB) إلى إعاقة مطابقة أسماء المواقع بعناوين بروتوكول الإنترنت. وقد امتدت تداعيات هذا العطل إلى البنية التحتية الحيوية في دول مثل المملكة المتحدة، حيث تأثرت خدمات “بورصة لندن” وموقع هيئة الضرائب البريطانية وبنوك محلية.
يحذر المحللون من أن التركّز المفرط للسوق على خوادم كبرى مركزية، يعني أن عطلاً واحداً يمكن أن يتسبب بخسائر بمليارات الدولارات وشل قطاعات حيوية من الاقتصاد. كما يثير خبراء الأمن السيبراني قلقاً من أن هذا التركيز يفتح البضاء لهجمات إلكترونية واسعة النطاق، حيث يمكن لاختراق شركة واحدة كبرى أن يؤدي إلى تداعيات عالمية فورية.
أثار التركيز الاحتكاري في سوق الخدمات السحابية تحقيقات رسمية؛ ففي عام 2023، فتحت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA) تحقيقاً في القطاع، وأوصت بفرض ضوابط على أمازون ومايكروسوفت لتعزيز المنافسة. كما تحقق لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) في ممارسات مايكروسوفت بهذا الشأن.
يدعو خبراء التقنية الحكومات إلى اتخاذ خطوات استراتيجية لتخفيف الاعتماد على الشركات الأمريكية، منها:
تشجيع تطوير مراكز بيانات وبنية سحابية إقليمية ومحلية.
تنويع الشركاء ومصادر الخدمة لتقليل المخاطر التشغيلية.
إنشاء أطر تنظيمية صارمة تلزم الشركات بالإفصاح عن جاهزية أنظمتها، وخطط الاستجابة للأزمات، والتزاماتها تجاه العملاء في حال الانقطاع.
ومع تزايد دور الحوسبة السحابية كدعامة أساسية للذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، يصبح التدخل التنظيمي ضرورياً لضمان استقرار السوق وحماية الأمن الرقمي العالمي من الأخطار الناجمة عن المركزية المفرطة.