تتصاعد المنافسة على استقطاب مهندسي أشباه الموصلات مع تقدم الشركات الصينية في صناعة الرقائق، ما يدفع شركات كبرى مثل سامسونغ إلى تشديد إجراءات حماية أسرارها التقنية ومراجعة الرواتب والمزايا التي تقدمها للموظفين.
وتكشف قضية موظف سابق في سامسونغ حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة تسريب تقنيات الشركة بعد انتقاله إلى شركة صينية، عن حجم الصراع المتزايد على الخبرات الهندسية والملكية الفكرية في هذا القطاع.
استقطاب مهندسي أشباه الموصلات يشعل المنافسة بين الشركات
أصدرت محكمة سيول العليا في 22 أكتوبر حكماً بالسجن خمس سنوات على موظف سابق في سامسونغ إلكترونيكس، بعد إدانته بتسريب تقنيات الشركة إلى شركة تشانغ شين لتكنولوجيا الذاكرة (CXMT) الصينية، التي انضم إليها عام 2016. وجاء الحكم أقل من العقوبة الأصلية البالغة سبع سنوات، التي صدرت خلال المحاكمة الأولى في أبريل الماضي.
ولا تُعد هذه القضية الأولى من نوعها؛ ففي عام 2023 وافقت محكمة كورية جنوبية على منع باحث سابق متخصص في ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) من العمل لدى شركة ميكرون الأميركية لمدة عامين، معتبرة أن القيد ضروري لحماية المعلومات التجارية والتقنيات الخاصة بسامسونغ.
الشركات الصينية تجذب المهندسين بالرواتب والمزايا
كانت سامسونغ تركز في السابق على انتقال موظفيها إلى منافسين تقليديين مثل SK Hynix وMicron، لكن صعود شركات الذاكرة الصينية غيّر خريطة المنافسة. وأشار موظف سابق في سامسونغ إلى أن الشركة كانت تراقب انتقالات بعض العاملين، وتستخدم اتفاقيات عدم المنافسة التي تقيد التحاقهم بالشركات المنافسة لمدة عامين.
في المقابل، تعتمد الشركات الصينية على عروض مالية ومهنية لجذب أصحاب الخبرات، تشمل الرواتب المرتفعة وخيارات تملك الأسهم ومزايا السكن ودعم أسر الموظفين.
استقطاب مهندسي أشباه الموصلات.. كيف تواجه سامسونغ المنافسة الصينية؟
وترى جيونغكو تشوي، كبيرة المحللين في Counterpoint Research، أن الخبرات الدولية ساعدت الشركات الصينية على تجاوز عقبات تقنية مهمة، رغم القيود الأميركية المفروضة على تصدير معدات تصنيع الرقائق المتقدمة إلى الصين.
وتشير بيانات مؤشر Memory Tracker للربع الثاني من 2026 إلى أن حصة شركة CXMT من إيرادات سوق ذاكرة DRAM العالمية قد تصل إلى 10%، وهو ما يعكس تنامي حضورها في سوق تهيمن عليها شركات كبرى منذ سنوات.
حماية الملكية الفكرية تفرض إجراءات أكثر صرامة
تتجه شركات تصنيع الرقائق إلى تعزيز إجراءات الأمن الداخلي والحماية القانونية، بالتوازي مع تحسين الرواتب والمزايا للاحتفاظ بالمهندسين الأساسيين. كما صنفت كوريا الجنوبية بعض تقنيات تصنيع أشباه الموصلات باعتبارها تقنيات وطنية أساسية، ما يرفع العقوبات على تسريبها أو الكشف عنها بصورة غير قانونية.
وتتوقع تشوي زيادة النزاعات القانونية مع توسع شركات الذاكرة الصينية خارج السوق المحلية، خصوصاً مع دخولها أسواقاً جديدة ومنافستها للمصنعين العالميين.
تايوان وسنغافورة وهونغ كونغ.. اختلاف قوانين حماية الأسرار
تفرض تايوان، التي تستضيف شركة TSMC، قيوداً على اتفاقيات عدم المنافسة بعد انتهاء العمل، بحيث لا تتجاوز مدتها عامين، مع إلزام أصحاب العمل بتعويض الموظفين السابقين بما لا يقل عن نصف متوسط رواتبهم الشهرية خلال فترة القيد، وفقاً لجيمي جاي يانغ، الشريكة المتخصصة في قضايا الملكية الفكرية لدى مكتب Innovatus Law.
وتوضح يانغ أن تعقيد عمليات تصنيع الرقائق يجعل من الصعب أن يمتلك مهندس واحد جميع المعلومات اللازمة لإعادة إنتاج خط تصنيع متكامل لدى شركة منافسة.
أما في سنغافورة، فيشير زكريا تشان، الشريك في مكتب Lee & Lee، إلى صعوبة إثبات استخدام شركة منافسة لأسرار تصنيع مملوكة لشركة أخرى، لأن تفاصيل العمليات الإنتاجية لا تظهر عادة في المنتج النهائي. كما يظل الفصل بين الخبرة العامة التي يكتسبها المهندس والأسرار التجارية الخاصة بصاحب العمل تحدياً قانونياً مهماً.
وتشترط القوانين السنغافورية أن تحمي اتفاقيات عدم المنافسة مصالح تجارية مشروعة، وأن تكون قيودها معقولة من حيث المدة والنطاق الجغرافي.
وفي هونغ كونغ، تتعامل المحاكم بحذر مع هذه الاتفاقيات، لكنها قد تصدر أوامر قضائية لمنع استخدام الأسرار التجارية أو الكشف عنها. وتوضح جيزامين فيونز، رئيسة قسم التقاضي في مكتب Lewis Silkin، أن إثبات انتقال المعلومات يصبح أكثر صعوبة عندما يحتفظ الموظف بالسر داخل ذاكرته.
لذلك، تنصح الشركات بتحديد أسرارها التجارية بوضوح، وإبلاغ الموظفين بطبيعتها، وتقييد الوصول إليها من خلال إجراءات أمنية فعالة.
وتؤكد هذه التطورات أن المنافسة في صناعة الرقائق لم تعد محصورة في تطوير المعالجات والذاكرة ومعدات التصنيع، بل أصبحت تشمل أيضاً الاحتفاظ بالمهندسين وحماية المعرفة التقنية التي تمثل أحد أهم مصادر التفوق في السوق العالمية.