في منتصف العقد الماضي، انطلقت عشرات الشركات الناشئة متسلحة بالذكاء الاصطناعي، واعدةً بإحداث ثورة في مجال اكتشاف الأدوية عبر تسريع عملية التطوير وخفض تكاليفها التي قد تصل إلى ملياري دولار للدواء الواحد. هذه الوعود جذبت أنظار شركات الأدوية العملاقة مثل بريستول مايرز سكويب وسانوفي، التي أبرمت صفقات بمليارات الدولارات على أمل الوصول إلى عقاقير أكثر فاعلية وسرعة. لكن بعد مرور أكثر من عشر سنوات، يتساءل الخبراء: أين هي الأدوية التي وُعدنا بها؟ فحتى اليوم، لم يحصل أي عقار مكتشف بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي على موافقة الجهات التنظيمية، فيما فشلت العديد من التجارب الأولى، بحسب تقرير فايننشال تايمز.
الذكاء الاصطناعي واكتشاف الأدوية وعود كبيرة وإنجازات محدودة
الذكاء الاصطناعي واكتشاف الأدوية وعود كبيرة وإنجازات محدودة
قطاع الأدوية معروف ببطئه وتكلفته الباهظة، ما جعله بيئة مثالية لرهانات المستثمرين. ووفقًا للبيانات، ارتفع تمويل شركات اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي من 30 مليون دولار عام 2013 إلى 1.8 مليار دولار عام 2021.
ومع إطلاق ChatGPT في أواخر 2022، تجددت الثقة، لتظهر شركات جديدة بتقنيات أكثر تطورًا وأساليب مبتكرة لجمع وتحليل البيانات البيولوجية. فالأدوات الأولى لم تكن قوية بما يكفي، لكن الأجيال القادمة قد تحمل فرصًا أكبر.
رغم ذلك، يبقى التحدي قائمًا: ما زال فهمنا لتفاعلات الخلايا محدودًا، كما أن كثيرًا من العمليات الحيوية يصعب قياسها، وهو ما يحرم النماذج من البيانات اللازمة لتحقيق إنجازات ملموسة.
على مدار عقود، علق القطاع آماله على تقنيات كبرى مثل علم الأحياء البنيوي (الستينيات)، الكيمياء الحسابية (الثمانينيات)، ومشروع الجينوم البشري مطلع الألفية، لكن النتائج جاءت أبطأ من التوقعات.
فعملية اكتشاف الأدوية تبدأ عادة بتحديد هدف بيولوجي (مثل طفرة جينية أو مستقبل هرموني)، ثم البحث عن جزيء قادر على التفاعل معه لعلاج المرض. المشكلة أن نحو 90% من الأدوية المرشحة تفشل في التجارب السريرية رغم نجاحها “نظريًا”.
هنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تسريع البحث ضمن قواعد بيانات ضخمة من الجزيئات. ومع ذلك، يحذر الخبراء من المبالغة. يقول بيتر كوفيني، أستاذ الكيمياء في UCL:
“من الخطأ الاعتقاد بأن أي تقنية حاسوبية قادرة فجأة على حل كل المشكلات. فالتنبؤ بالسمّية مثلًا من أصعب التحديات”.
أحد التحولات الكبرى جاء مع إطلاق نموذج AlphaFold2 من جوجل ديب مايند عام 2023، والذي تمكن من التنبؤ بأشكال البروتينات بدقة غير مسبوقة. هذا الإنجاز قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من المحاولات الواعدة.
وتسعى شركات مثل Insitro وRecursion وLila Sciences إلى بناء “مصانع بيانات” بيولوجية ضخمة عبر الأتمتة وتقنيات الرؤية الحاسوبية.
ويؤكد ماكس جادربرغ، رئيس الذكاء الاصطناعي في Isomorphic Labs التابعة لجوجل:
“نحتاج إلى نصف دستة من التطورات بحجم AlphaFold لنحقق قفزة حقيقية في اكتشاف الأدوية”.
بينما تكافح الشركات الناشئة لإثبات جدواها، يرى محللون أن العملاق التقني مثل جوجل وألفابت، بفضل مواردها الهائلة وقدرتها على الانتظار طويلًا، قد تكون الأقدر على قيادة التحول المقبل.
ويقول سانجيف باتيل، الرئيس التنفيذي لشركة Relay Therapeutics:
“قد يستغرق الأمر سنوات دون نتائج، لكن الشركات الكبرى فقط قادرة على تحمّل الانتظار حتى يتحقق الإنجاز”.