في خطوة تعكس وعيًا متقدمًا بمتطلبات العصر الرقمي، يتجه مجمع اللغة العربية بدمشق، أقدم مجمع لغوي في الوطن العربي، نحو تبنّي أدوات رقمية حديثة تعزز حضوره العلمي وتواكب التطورات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والعلوم. ويأتي ذلك في إطار رؤية حكومية سورية تضع التحول الرقمي لمجمع اللغة العربية بدمشق في صلب خطط تطوير المؤسسات الأكاديمية والثقافية.
وقد ناقش معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي في سورية، الدكتور مروان الحلبي، خلال اجتماع حديث مع مجلس المجمع، واقع المؤسسة واحتياجاتها والتحديات التي تواجه أداءها، في ظل تنامي الحاجة إلى تحديث آليات العمل اللغوي، بما يضمن الحفاظ على اللغة العربية وربطها بالحراك العلمي والتقني العالمي.
مجمع اللغة العربية بدمشق يدخل عصر التحول الرقمي عبر مرصد وطني للمصطلحات الحديثة
مجمع اللغة العربية بدمشق يدخل عصر التحول الرقمي عبر مرصد وطني للمصطلحات الحديثة
يأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية أوسع لتحديث البنية الإدارية والتقنية للمجمع، الذي تأسس عام 1919، واضطلع بدور تاريخي محوري في تعريب التعليم، ووضع المصطلحات العلمية، وإحياء التراث اللغوي العربي.
وترى الجهات المعنية أن التحول الرقمي لمجمع اللغة العربية بدمشق لم يعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة ملحّة لضمان استمرار دوره المرجعي في عصر تتسارع فيه الابتكارات العلمية، وتتجدد فيه المصطلحات بوتيرة غير مسبوقة، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
مرصد وطني للمصطلحات منصة تفاعلية للغة العربية
من أبرز المشاريع التي طُرحت خلال الاجتماع، إطلاق مرصد وطني للمصطلحات الحديثة، يُنظر إليه باعتباره حجر الأساس في ربط اللغة العربية بالمعرفة العلمية المعاصرة.
وفي تصريح خاص، أوضح نائب رئيس مجمع اللغة العربية، الأستاذ مروان البواب، أن المرصد سيُطوَّر بالتعاون بين وزارة التعليم العالي، ومجمع اللغة العربية، ومركز تكنولوجيا المعلومات لتعزيز الابتكار الرقمي في دمشق. وسيعمل المرصد كمنصة رقمية تفاعلية قابلة للربط مع الجامعات والمؤسسات البحثية داخل سورية وخارجها.
ويُتوقع أن يسهم هذا المشروع في تسريع اعتماد المصطلحات العلمية الدقيقة، وتوحيد استخدامها في المناهج الجامعية، وتعزيز التواصل بين المجمع والباحثين، بما يخدم التحول الرقمي لمجمع اللغة العربية بدمشق ويعزز حضوره الأكاديمي.
رقمنة المخطوطات نقل التراث إلى الفضاء الرقمي
في محور موازٍ، يبرز مشروع وطني لترميم ورقمنة المخطوطات، يهدف إلى حماية الإرث اللغوي العربي ونقله من الأرشيف الورقي إلى المنصات الرقمية.
وأكد الأستاذ مروان البواب أن المجمع بدأ منذ سنوات برقمنة معاجمه ومطبوعاته، ويعمل على نشرها تدريجيًا عبر موقعه الإلكتروني، بما يوسع دائرة الوصول إلى الإنتاج اللغوي والعلمي.
ويراهن المجمع، بالتعاون مع الجهات التقنية المختصة، على تسريع هذا المسار، وفتح آفاق مستقبلية لتوظيف تقنيات أكثر تقدمًا في خدمة البحث اللغوي وإدارة المعرفة.
التكنولوجيا كجسر بين الأجيال اللغوية
ناقش المجتمعون أيضًا تحديًا أساسيًا يتمثل في نقص الكوادر وضرورة رفد المجمع بطاقات شابة. وفي هذا السياق، تبرز التقنيات الرقمية كأداة استراتيجية لنقل الخبرات المتراكمة لعلماء المجمع إلى الباحثين الجدد.
ويهدف التحول الرقمي لمجمع اللغة العربية بدمشق إلى إشراك طلاب الدراسات العليا في مشاريع رقمية، تسهم في تطوير العمل اللغوي، وتخلق بيئة معرفية جاذبة تجمع بين الخبرة العميقة والتكنولوجيا الحديثة.
النشر الرقمي كحل لتحديات التمويل
برز التحدي المالي، ولا سيما ما يتعلق بتكاليف الطباعة، كأحد الملفات المطروحة للنقاش. ويرى المجمع أن النشر الرقمي لمجلة المجمع، والمعاجم، والأبحاث، يمثل مسارًا استراتيجيًا لتوسيع الانتشار وخفض النفقات، مع الإبقاء على الطباعة الورقية للإصدارات ذات الطابع التوثيقي.
ويؤكد القائمون على المجمع أن الجمع بين الجودة العلمية وأنماط النشر الرقمي الحديثة بات ضرورة لمواكبة سلوكيات استهلاك المعرفة في العصر الرقمي.
في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يعمل المجمع على تعزيز حضوره الرقمي عبر بث المحاضرات والندوات والمؤتمرات، مع الحفاظ على استقلاليته العلمية ومنهجيته الرصينة.
وعلى الصعيد الإقليمي، يستمر التعاون بين مجمع اللغة العربية بدمشق وبقية المجامع العربية، سواء في تبادل الخبرات أو في إنشاء قواعد بيانات لغوية مشتركة، ما يعزز التكامل العربي في مجال العمل اللغوي الرقمي.
يمثل مجمع اللغة العربية بدمشق، بتاريخ يمتد لأكثر من قرن، رمزًا لحماية اللغة العربية وتطويرها. واليوم، يقف المجمع أمام مرحلة مفصلية، يسعى فيها إلى إعادة تعريف دوره، ليس فقط كحارس للغة، بل كفاعل رقمي مؤثر في صناعة المعرفة العربية في القرن الحادي والعشرين.
ويجسد التحول الرقمي لمجمع اللغة العربية بدمشق رؤية جديدة تجمع بين الأصالة والتجديد، وتؤكد أن اللغة العربية قادرة على مواكبة العصر، متى امتلكت الأدوات والرؤية.