رغم احتفاظ جوجل بمكانتها كأكبر محرك بحث في العالم، فإن الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي تفرض واقعًا جديدًا على الشركة. فبعد أن تمكنت من تجاوز الصدمة الأولى التي أحدثها إطلاق ChatGPT في نهاية عام 2022، أصبحت تواجه تحديات أكثر تعقيدًا مع تغير سلوك المستخدمين واعتمادهم المتزايد على روبوتات المحادثة للحصول على المعلومات بدلاً من محركات البحث التقليدية.
هل بدأت هيمنة جوجل على البحث تتراجع أمام الذكاء الاصطناعي
بدأت المؤشرات تكشف عن تحول تدريجي في طريقة وصول المستخدمين إلى المعلومات، إذ يفضل عدد متزايد منهم الاعتماد على روبوتات الدردشة التي تقدم إجابات مباشرة بدلًا من تصفح نتائج البحث التقليدية.
وتعكس البيانات هذا التغير بوضوح، حيث سجل محرك البحث DuckDuckGo زيادة في معدلات التثبيت الأسبوعية وصلت إلى 40%، بينما نجح محرك Bing التابع لمايكروسوفت في تجاوز حاجز مليار مستخدم لأول مرة خلال الربع الماضي.
وفي المقابل، شهدت زيارات محرك بحث جوجل تراجعًا بأكثر من 1% خلال الشهر الماضي، بينما واصل ChatGPT تحقيق نمو مستمر في عدد الزيارات، كما حافظ على مكانته ضمن التطبيقات المجانية الأكثر تحميلًا على أجهزة iPhone، في الوقت الذي حقق فيه مساعد Claude من شركة Anthropic تقدمًا ملحوظًا بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
هل بدأت هيمنة جوجل على البحث تتراجع أمام الذكاء الاصطناعي
مستخدمون يفضلون البحث بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي
المنافسة لم تعد تقتصر على شركات الذكاء الاصطناعي، إذ ظهرت شريحة من المستخدمين تبحث عن تجربة إنترنت خالية من أدوات الذكاء الاصطناعي بالكامل.
وأظهرت استطلاعات للرأي أن جزءًا من المستخدمين يشعر بقدر من القلق تجاه الاعتماد المتزايد على هذه التقنيات، وهو ما دفع DuckDuckGo إلى إطلاق نسخة جديدة من محركه تتيح إجراء عمليات البحث دون استخدام أي مزايا مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وترى ليلي راي، نائبة رئيس تحسين محركات البحث والبحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي في شركة Amsive، أن كثيرًا من المستخدمين لا يزالون يفضلون استكشاف المواقع بأنفسهم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات جاهزة تقدمها الأنظمة الذكية.
المنافسة على الكفاءات تزيد الضغوط على جوجل
لا تواجه جوجل تحديات مرتبطة بالمنتجات فقط، بل تمتد المنافسة أيضًا إلى استقطاب أفضل المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة مع توسع الشركات الناشئة واستعداد بعضها لطرح أسهمه في الأسواق المالية.
وخلال الفترة الماضية، أعلنت OpenAI انضمام نوعام شازير، أحد أبرز قادة مشروع Gemini في جوجل، بينما انتقل جون جامبر، نائب رئيس الهندسة في DeepMind والحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، إلى شركة Anthropic.
ويرى محللون أن هذه التحركات لا تعني تراجع استثمارات جوجل في الذكاء الاصطناعي، لكنها تعكس شدة المنافسة بين الشركات الكبرى للفوز بأفضل الخبرات المتخصصة.
نموذج الإعلانات يواجه تحديًا غير مسبوق
يتمثل أكبر التحديات أمام جوجل في أن الاعتماد المتزايد على الإجابات المباشرة قد يؤثر في نموذج الإعلانات الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الشركة.
ولا تزال الإعلانات الرقمية توفر نحو ثلاثة أرباع دخل جوجل، كما تمول استثمارات ضخمة تشمل تطوير تقنيات القيادة الذاتية عبر شركة Waymo، بالإضافة إلى خطط إنفاق تقترب من 200 مليار دولار لتوسيع البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
ولمواجهة هذه المتغيرات، كشفت جوجل خلال مؤتمر المطورين الأخير عن أكبر تحديث لمحرك البحث منذ أكثر من 25 عامًا، بإضافة زر AI Mode داخل صفحة البحث، إلى جانب دمج أداة توليد الصور Nano Banana وتوسيع حضور مزايا الذكاء الاصطناعي داخل تطبيق البحث على الهواتف.
أثارت مزايا الذكاء الاصطناعي الجديدة في جوجل انتقادات واسعة من المؤسسات الإعلامية وأصحاب المواقع، خاصة بعد إطلاق ميزة AI Overviews التي تعرض ملخصات جاهزة للمعلومات أعلى نتائج البحث.
ويرى منتجو المحتوى أن هذه الخطوة تقلل من حاجة المستخدمين إلى زيارة المواقع الأصلية، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الزيارات والعائدات الإعلانية.
وتشير دراسات أجرتها منصتا SparkToro وSimilarweb إلى أن نحو 68% من عمليات البحث على جوجل تنتهي دون أن ينقر المستخدم على أي موقع خارجي.
كما أكد روجر لينش، الرئيس التنفيذي لشركة كوندي ناست، أن الاعتماد على زيارات محركات البحث أصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى، مشيرًا إلى أن الشركة بدأت تضع خططها المستقبلية على أساس احتمال تراجع هذا المصدر من الزيارات بشكل كبير.
في المقابل، تؤكد جوجل أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا لمحرك البحث، بل وسيلة لتعزيز استخدامه وتحسين تجربة المستخدم.
وأوضح الرئيس التنفيذي ساندار بيتشاي أن معدلات استخدام البحث وعدد الاستفسارات وصلت إلى مستويات قياسية بفضل مزايا مثل AI Mode وAI Overviews، مؤكدًا أن هذه الأدوات تسهم في تطوير تجربة البحث بدلًا من استبدالها.
ومن جهتها، ترى إليزابيث ريد، المسؤولة عن قطاع البحث في جوجل، أن المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والويب التقليدي غير دقيقة، لأن المستخدمين لا يرغبون في الاختيار بينهما، بل يتوقعون تجربة موحدة تجمع بين سرعة الذكاء الاصطناعي وغنى المحتوى المتاح على الإنترنت.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن سوق البحث الإلكتروني يشهد تحولًا جذريًا قد يعيد توزيع موازين المنافسة خلال السنوات المقبلة. ورغم استمرار جوجل في صدارة هذا القطاع، فإن صعود روبوتات المحادثة ومحركات البحث البديلة، إلى جانب تغير عادات المستخدمين، يضع الشركة أمام تحديات غير مسبوقة تتطلب إعادة صياغة تجربة البحث بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي، دون التفريط في نموذج أعمالها أو مكانتها التاريخية.