يشهد سوق العمل تحولًا جديدًا مع ظهور أسلوب غير معتاد في مقابلات التوظيف، بعدما بدأ بعض المتقدمين بالاستعانة بشخصيات رقمية وهي أفاتار الذكاء الاصطناعي بدلًا من الظهور بأنفسهم أمام مسؤولي التوظيف.
ويعتمد هذا الأسلوب على تقنيات قادرة على محاكاة ملامح الوجه والصوت وطريقة التحدث، ليظهر أمام مسؤول الموارد البشرية أفاتار رقمي يبدو وكأنه المرشح الحقيقي، بينما يكون الشخص الفعلي بعيدًا عن الكاميرا.
وتشير تجارب مسؤولي التوظيف إلى أن اكتشاف أفاتار الذكاء الاصطناعي في مقابلات العمل لا يرتبط دائمًا بجودة الصورة أو الصوت، وإنما قد يظهر من خلال طبيعة الإجابات التي تبدو مثالية أو مصقولة بصورة غير طبيعية.
لماذا يلجأ بعض المتقدمين إلى أفاتار الذكاء الاصطناعي؟
رصدت مسؤولة توظيف في سيدني عدة حالات استخدم فيها متقدمون شخصيات رقمية خلال المقابلات عن بُعد، وكان أغلبهم يتقدمون لوظائف تتطلب التحدث باللغة الإنجليزية، رغم أن الإنجليزية ليست لغتهم الأولى.
وفي هذه الحالات، بدا أن الهدف من استخدام التقنية هو تجاوز صعوبة اللغة وتحسين طريقة التواصل أثناء المقابلة. لكن استخدام الأفاتار دون إبلاغ جهة التوظيف يثير تساؤلات جدية حول مصداقية العملية برمتها.
وتزداد حساسية هذه القضية في ظل وجود تحديات مرتبطة بالتحيز في سوق العمل، خصوصًا تجاه بعض المتقدمين من خلفيات مهاجرة أو أقليات عرقية. لذلك، يرى البعض أن اللجوء إلى التكنولوجيا قد يكون محاولة للتغلب على عوائق حقيقية، حتى لو ظل استخدام الهوية الرقمية بشكل غير معلن محل خلاف.
الذكاء الاصطناعي يدخل طرفًا في عملية التوظيف
لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة يستخدمها المتقدمون فقط، فالشركات نفسها تعتمد بصورة متزايدة على هذه التقنيات في مراحل مختلفة من عملية اختيار الموظفين.
وتستخدم المؤسسات أنظمة آلية لفحص السير الذاتية وفرز طلبات التوظيف، إلى جانب أدوات تساعد في إجراء المقابلات الأولية وتقييم المرشحين.
وتظهر بيانات حديثة اتساع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من الجانبين؛ إذ يستخدم عدد كبير من الباحثين عن وظائف الأدوات الذكية في إعداد طلبات التقديم، بينما تستعين نسبة مرتفعة من مسؤولي التوظيف بالتقنيات نفسها خلال عملية الاختيار.
وبذلك أصبحت المنافسة أشبه بمواجهة بين أنظمة ذكاء اصطناعي من الطرفين، وهو ما يهدد بتحويل المقابلة الوظيفية من فرصة للتعرف على شخصية المتقدم ومهاراته إلى اختبار تقني يصعب خلاله تحديد الشخص الحقيقي.

أفاتار الذكاء الاصطناعي في مقابلات العمل يغير قواعد التوظيف عن بُعد
ارتفاع مخاطر التزييف في مقابلات العمل
تكشف تقارير متخصصة عن انتشار متزايد للمحتوى الذي يتم إنتاجه باستخدام الذكاء الاصطناعي خلال عمليات التوظيف. وأصبح مسؤولو الموارد البشرية يواجهون صعوبة أكبر في تحديد ما إذا كانت الإجابات المقدمة خلال المقابلات نابعة من المرشح نفسه أم تم توليدها باستخدام أدوات آلية.
كما تتوقع بعض المؤسسات المتخصصة أن تشهد السنوات المقبلة ارتفاعًا في عدد الملفات المهنية المزيفة، سواء من خلال الشخصيات الرقمية أو الفيديوهات الاصطناعية أو حتى الخبرات الوظيفية غير الحقيقية.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب سهولة الوصول إلى أدوات إنتاج الشخصيات الرقمية. فقد أصبحت بعض التقنيات قادرة على إنشاء مرشح افتراضي مقنع خلال فترة قصيرة، دون الحاجة إلى خبرة تقنية متقدمة.
هذا التطور يضع الشركات أمام تحدٍ جديد، لأن الاعتماد الكامل على المقابلات الافتراضية قد لا يكون كافيًا للتأكد من هوية المرشح أو حقيقة مهاراته.
الشركات تعيد المقابلات الحضورية للتحقق من الهوية
دفعت المخاوف المتزايدة بعض الشركات الكبرى إلى إعادة المقابلات الحضورية ضمن مراحل التوظيف، بهدف التأكد من هوية المتقدم وقدرته الفعلية على التواصل والأداء دون الاعتماد على شخصية رقمية.
لكن هذا الاتجاه يحمل بدوره بعض السلبيات، خاصة بالنسبة للشركات التي تعتمد على التوظيف عن بُعد أو تستقطب موظفين من دول مختلفة. كما قد يمثل الحضور الشخصي عائقًا أمام بعض المرشحين الذين يعتمدون على فرص العمل الرقمية.
وتوضح هذه التطورات أن مشكلة أفاتار الذكاء الاصطناعي في مقابلات العمل لا تتعلق فقط بمحاولة اكتشاف الغش، بل تكشف أزمة أوسع في أساليب التوظيف الحديثة.
فمع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب الشركات والمرشحين على حد سواء، قد تحتاج المؤسسات إلى إعادة تصميم مراحل التوظيف بدلًا من الاكتفاء بتطوير أدوات جديدة لملاحقة المحتوى المصطنع.
وفي المستقبل، قد يصبح التحقق من الهوية والمهارات الحقيقية جزءًا أساسيًا من مقابلات العمل، خصوصًا مع استمرار تطور تقنيات إنتاج الصوت والصورة والشخصيات الرقمية.