لم تعد الحواسيب القديمة مجرد أجهزة متروكة في المخازن أو قطع إلكترونية انتهى عصرها، بل تحولت إلى مقتنيات يحرص عشاق التكنولوجيا على جمعها وإعادة تشغيلها. ويزداد هذا الشغف في وقت يركز فيه قطاع التكنولوجيا على تطوير الذكاء الاصطناعي وبناء الجيل الجديد من الأجهزة الرقمية.
ومن بين هؤلاء هواة مثل مهندس البرمجيات جوش ديرش، الذي يمتلك أكثر من 200 جهاز كمبيوتر وإلكترونيات قديمة في منزله بمدينة سياتل الأمريكية، ويخصص جزءًا كبيرًا من وقته لإصلاح أجهزة يعود عمر بعضها إلى عدة عقود.
ويرى ديرش أن التعامل مع هذه الأجهزة يمنح أصحابها فرصة لفهم كيفية بناء الأنظمة التقنية من أساسها، بدءًا من اكتشاف الأعطال وحتى إصلاحها وتشغيلها من جديد.
الحواسيب القديمة تتحول إلى قطع من تاريخ التكنولوجيا
ينتمي ديرش إلى مجتمع متزايد من هواة جمع الأجهزة الإلكترونية القديمة، الذين يرون أن هذه المعدات تمثل جزءًا مهمًا من تاريخ الثورة الرقمية.
فبينما يتجه وادي السيليكون حاليًا نحو الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، يواصل هؤلاء الهواة البحث عن أجهزة مثل Atari وCommodore وIBM، باعتبارها مراحل مبكرة أسهمت في الوصول إلى الحواسيب والهواتف والأجهزة الذكية التي نعتمد عليها اليوم.
ولا تقتصر المتعة بالنسبة لهواة الجمع على امتلاك الأجهزة، بل تشمل إعادة تشغيلها واستعادة أصواتها القديمة وتجربة الألعاب الكلاسيكية التي ارتبطت بذكريات أجيال سابقة.
مهرجانات تجمع عشاق التكنولوجيا القديمة
انعكس الاهتمام المتزايد بهذه الهواية على انتشار فعاليات متخصصة في عدد من الدول. ووفقًا للتقرير، توجد أكثر من 12 فعالية من هذا النوع في مدن مختلفة بأمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا.
وشهد مهرجان للحواسيب القديمة أقيم في الولايات المتحدة حضور أكثر من 3500 شخص خلال يومين، بالتزامن مع الاحتفال بمرور 50 عامًا على تأسيس شركة أبل.
كما تضمن الحدث جلسة نقاش شارك فيها ستيف وزنياك ورونالد واين، المؤسسان المشاركان لشركة أبل، للحديث عن البدايات الأولى للشركة ومسيرتها في عالم التكنولوجيا.
وتحوّلت هذه الفعاليات إلى مساحة تجمع بين عرض الأجهزة وإصلاحها وبيعها وتبادلها، إلى جانب إتاحة الفرصة للزوار لتجربة تقنيات ظهرت قبل انتشار الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي.

الحواسيب القديمة تعود للواجهة.. كيف أشعل الذكاء الاصطناعي شغف جمع أجهزة الماضي؟
أجهزة نادرة تصل إلى أسعار مرتفعة
لم يعد الاهتمام بالأجهزة القديمة مقتصرًا على الجانب التاريخي، إذ أصبحت بعض الطرازات النادرة مطلوبة بشدة في الأسواق الإلكترونية، وقد تصل أسعار بعض الأجهزة الشهيرة إلى مئات الآلاف من الدولارات.
ومن أبرز النماذج التي تحظى باهتمام هواة الجمع جهاز Apple-1، الذي يمثل أول منتجات أبل.
كما عرض جوش ديرش جهاز Xerox Alto ضمن مقتنياته، وهو حاسوب استغرق ترميمه سنوات، ويُنظر إليه باعتباره أحد الأجهزة المؤثرة في تاريخ الحوسبة الحديثة.
وتميز Xerox Alto باستخدام الفأرة وواجهة المستخدم الرسومية التي تعتمد على النوافذ والأيقونات والمؤشرات، وهي أفكار أصبحت لاحقًا من أساسيات استخدام أجهزة الكمبيوتر.
من هواية فردية إلى مجتمع عالمي
تحولت هواية جمع الأجهزة القديمة بالنسبة إلى بعض الأشخاص من نشاط شخصي إلى مجتمع متكامل يضم مهرجانات وورش إصلاح وفعاليات للبيع والتبادل.
وكان إريك كلاين، رئيس رابطة Vintage Computer Federation، يمتلك في وقت سابق مجموعة كبيرة من أجهزة الكمبيوتر وملحقاتها ووثائقها، قبل أن يقرر تقليصها بعدما أصبحت تشكل عبئًا كبيرًا عليه وعلى أسرته.
ومع تقليص مجموعته، وجه كلاين اهتمامه إلى تنظيم الفعاليات ونشر ثقافة الحفاظ على التكنولوجيا القديمة، بدلًا من التركيز على امتلاك أكبر عدد ممكن من الأجهزة.
كما ساهم سلام إسماعيل، أحد المهتمين بهذا المجال منذ عقود، في تنظيم مهرجانات متخصصة وتأسيس رابطة تجمع هواة الحواسيب القديمة في الولايات المتحدة وكندا، إلى جانب دعم فعاليات مماثلة في دول أخرى.
ويبدو أن هذه الهواية تجاوزت فكرة الاحتفاظ بأجهزة عتيقة، لتصبح وسيلة للحفاظ على جانب مهم من تاريخ التكنولوجيا. وفي الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يبحث بعض عشاق التقنية عن جذور هذه الصناعة داخل أجهزة تبدو قديمة، لكنها تحمل قصصًا عن بدايات الثورة الرقمية.