دخل ملف غوغل والذكاء الاصطناعي مرحلة قانونية جديدة في فرنسا، بعدما طالبت مجموعة من وسائل الإعلام الفرنسية هيئة مكافحة الاحتكار بفتح تحقيق بشأن الطريقة التي تستخدم بها شركة غوغل تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء ملخصات للمقالات. وترى المؤسسات الإعلامية أن هذه الأدوات قد تؤثر بصورة مباشرة في حركة الزيارات التي تصل إلى مواقعها، لأنها تمنح المستخدمين إجابات مختصرة دون الحاجة إلى فتح الروابط الأصلية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه الخلافات بين شركات التكنولوجيا الكبرى وقطاع الإعلام حول استخدام المحتوى الصحفي في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع انتشار أنظمة قادرة على تلخيص الأخبار والمقالات والإجابة عن الأسئلة اعتمادًا على محتوى منشور على الإنترنت.
تفاصيل قضية “غوغل والذكاء الاصطناعي” أمام هيئة المنافسة الفرنسية
قدمت وسائل الإعلام الفرنسية طلبها إلى هيئة المنافسة الفرنسية، مطالبة باتخاذ إجراءات تجاه أدوات غوغل التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء ملخصات للمقالات. وتقول المؤسسات الصحفية إن هذه الملخصات قد تمنح المستخدم ما يبحث عنه من معلومات مباشرة داخل خدمات غوغل، بدلًا من الانتقال إلى المواقع التي نشرت المحتوى الأصلي.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن هيئة تمثل قطاع الصحافة في فرنسا، فإن المشكلة الأساسية تتعلق بتأثير هذه الأدوات على الزيارات التي تعتمد عليها المواقع الإخبارية في تحقيق الإيرادات والوصول إلى القراء.
وتخشى وسائل الإعلام من أن يؤدي انتشار الإجابات والملخصات التي ينشئها الذكاء الاصطناعي إلى تغيير الطريقة التقليدية لاستخدام محركات البحث، إذ قد يحصل المستخدم على المعلومة التي يريدها دون زيارة المصدر الأصلي.
لماذا ترى وسائل الإعلام أن غوغل تضر بالمواقع الإخبارية؟
يعتمد جزء كبير من حركة المرور إلى المواقع الإخبارية على محركات البحث، ولذلك تمثل الزيارات القادمة من غوغل عنصرًا مهمًا بالنسبة إلى المؤسسات الصحفية.
وترى وسائل الإعلام الفرنسية أن ظهور ملخصات مولدة بالذكاء الاصطناعي في نتائج البحث قد يقلل الحاجة إلى الضغط على الروابط المؤدية إلى المقالات الأصلية. وكلما حصل المستخدم على إجابة كاملة نسبيًا داخل صفحة البحث، تراجعت احتمالية انتقاله إلى الموقع الإخباري.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع توسع استخدام غوغل والذكاء الاصطناعي في تقديم إجابات مباشرة بدلًا من الاكتفاء بعرض قائمة من الروابط، وهو تحول قد يفرض على صناعة الأخبار إعادة التفكير في علاقتها بمحركات البحث.
ولا تقتصر المخاوف على انخفاض عدد الزيارات فقط، بل تمتد إلى مسألة الاستفادة الاقتصادية من المحتوى الصحفي الذي تستند إليه أدوات الذكاء الاصطناعي في تقديم إجاباتها.
سابقة ميتا تزيد الضغط على شركات التكنولوجيا
استندت وسائل الإعلام الفرنسية في مطالبها أيضًا إلى قرار سابق اتخذته هيئة المنافسة في يوليو الماضي، عندما أمرت شركة ميتا بتقديم خطة للدفع واستئناف المفاوضات مع وسائل الإعلام التقليدية التي تطالب بالحصول على رسوم مقابل استخدام محتواها من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا القرار اتجاهًا متزايدًا في أوروبا نحو فحص العلاقة بين شركات التكنولوجيا ومنتجي المحتوى، خصوصًا عندما تستخدم المنصات الرقمية مواد صحفية في خدمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وترى المؤسسات الإعلامية أن استخدام المحتوى الصحفي في تطوير الخدمات الرقمية يجب ألا يؤدي إلى تهميش أصحاب هذا المحتوى أو حرمانهم من العائد الاقتصادي الناتج عنه.
“غوغل والذكاء الاصطناعي” أمام اختبار قانوني جديد في فرنسا
هل يمكن أن تتحول القضية إلى تحقيق رسمي؟
في الوقت الحالي، يمثل طلب وسائل الإعلام خطوة باتجاه فتح مسار قانوني ضد غوغل، وليس حكمًا نهائيًا يثبت ارتكاب الشركة مخالفة.
وإذا قررت هيئة المنافسة الفرنسية دراسة الشكوى بصورة رسمية، فقد تبحث في طريقة عمل أدوات غوغل، وتأثير الملخصات التي ينشئها الذكاء الاصطناعي على المنافسة وحركة المرور إلى المواقع الإخبارية، إلى جانب الطريقة التي تستفيد بها الشركة من المحتوى الصحفي.
وقد تصبح القضية جزءًا من نقاش أوسع حول حدود استخدام المحتوى المنشور على الإنترنت في عصر الذكاء الاصطناعي، خاصة مع استمرار شركات التكنولوجيا في تطوير أدوات قادرة على تلخيص الأخبار وإعادة صياغة المعلومات وتقديمها للمستخدمين مباشرة.
مستقبل العلاقة بين غوغل والإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي
تكشف قضية غوغل والذكاء الاصطناعي عن مشكلة أكبر تواجه قطاع الأخبار، وهي كيفية تحقيق التوازن بين وصول المستخدمين السريع إلى المعلومات وحقوق المؤسسات التي تنتج المحتوى.
فمن ناحية، توفر ملخصات الذكاء الاصطناعي تجربة أكثر سرعة وسهولة للمستخدم. ومن ناحية أخرى، تحتاج المواقع الإخبارية إلى الزيارات والإعلانات والاشتراكات للحفاظ على قدرتها على إنتاج الأخبار.
ولهذا السبب، قد تزداد المطالبات بوضع قواعد واضحة تحدد كيفية استخدام المحتوى الصحفي في أدوات الذكاء الاصطناعي، وما إذا كان على شركات التكنولوجيا دفع مقابل الاستفادة من هذا المحتوى.
ومع استمرار توسع هذه التقنيات، قد لا تكون القضية الفرنسية الأخيرة من نوعها، بل يمكن أن تصبح نموذجًا لاختبارات قانونية مشابهة في دول أخرى تسعى إلى تحديد المسؤوليات والحقوق في سوق الإعلام الرقمي.