تشهد الجريمة السيبرانية تحولًا غير مسبوق مع تسارع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الإجرامية، وهو ما حذرت منه شركة جروب-آي بي (Group-IB)، مؤكدة أن هذا التحول يدفع العالم نحو ما تصفه بـ«الموجة الخامسة» من الجريمة السيبرانية. ووفقًا للشركة، فإن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة بيد المهاجمين، بل أصبح عنصرًا محوريًا داخل البنية التحتية للمنظومات الإجرامية، محولًا هجمات معقدة كانت تتطلب خبرات عالية إلى خدمات متاحة «حسب الطلب».
وجاء هذا التحذير بالتزامن مع نشر جروب-آي بي أول ورقة بحثية لها بعنوان «الذكاء الاصطناعي المُسلّح: نظرة داخل المنظومة الإجرامية التي تغذي الموجة الخامسة من الجريمة السيبرانية»، والتي تسلط الضوء على الكيفية التي أعاد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل أساليب الاحتيال الرقمي، وانتحال الهوية، وتطوير البرمجيات الخبيثة.
الذكاء الاصطناعي يقود تحوّلًا جذريًا في عالم الجريمة السيبرانية ملامح عصر جديد من التهديدات الرقمية

الذكاء الاصطناعي يقود تحوّلًا جذريًا في عالم الجريمة السيبرانية ملامح عصر جديد من التهديدات الرقمية
بحسب تحليل جروب-آي بي، مرت الجريمة السيبرانية خلال العقود الثلاثة الماضية بعدة مراحل متعاقبة. فقد بدأت في أواخر تسعينيات القرن الماضي بأساليب بدائية مثل التصيد الاحتيالي اليدوي، ثم انتقلت إلى نماذج أكثر تنظيمًا مع انتشار البرمجيات الخبيثة وبرامج الفدية، وصولًا إلى هجمات سلاسل التوريد المعقدة في مطلع العقد الحالي.
إلا أن الموجة الخامسة تمثل – وفق الشركة – نقلة نوعية، إذ تعتمد على الجريمة السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث تُدمج القدرات الذكية مباشرة في الأدوات الإجرامية، ما يضاعف سرعتها ونطاقها وقدرتها على التخفي.
الشبكة المظلمة تكشف ملامح التحول
أظهرت تحليلات جروب-آي بي لمنتديات وأسواق الشبكة المظلمة ارتفاعًا حادًا في الاهتمام بإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي منذ عام 2019، مع زيادة كبيرة في المنشورات والردود المرتبطة بهذا المجال. وتشير البيانات إلى أن عام 2025 شهد هيمنة واضحة لمناقشات الذكاء الاصطناعي الإجرامي، ما يعكس انتقال هذه التقنيات من مرحلة التجريب إلى الاستخدام الواسع والمنهجي.
وتزامنت ذروة هذا الاهتمام مع الانتشار الواسع لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، ما فتح الباب أمام المجرمين لاستغلالها بطرق غير مسبوقة.
الجريمة كخدمة نموذج أعمال جديد
من أبرز ما رصدته الشركة انتشار نماذج إجرامية تحاكي مفهوم «البرمجيات كخدمة»، حيث باتت أدوات الهجوم المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُعرض باشتراكات شهرية، مع مستويات تسعير مختلفة ودعم فني مخصص.
وتقسم جروب-آي بي هذه الأدوات إلى ثلاث فئات رئيسية:
- استغلال النماذج اللغوية الضخمة.
- أتمتة هجمات التصيد الاحتيالي والهندسة الاجتماعية.
- تطوير برمجيات خبيثة ذكية وأدوات تقنية متقدمة.
هذا النموذج جعل تنفيذ هجمات معقدة في متناول مستخدمين ذوي مهارات محدودة، ما وسّع قاعدة المهاجمين بشكل كبير.
نماذج لغوية مظلمة وتزييف عميق كخدمة
تشير الورقة البحثية إلى ظهور ما يُعرف بـالنماذج اللغوية المظلمة، وهي نماذج ذكاء اصطناعي طُورت خصيصًا دون أي ضوابط أخلاقية أو أمنية. كما رُصدت خدمات مخصصة لكسر قيود الأمان في النماذج المشروعة، عبر تعليمات جاهزة وقابلة لإعادة الاستخدام.
أما التزييف العميق كخدمة، فقد أصبح أحد أخطر الاتجاهات، حيث تُباع حزم متكاملة تشمل أصواتًا مستنسخة، ومقاطع فيديو اصطناعية، وبيانات بيومترية مزيفة تُستخدم في عمليات انتحال الهوية والاحتيال المالي، مع نمو متسارع في حجم هذا السوق خلال عامي 2024 و2025.
كاسيو تمزج الفن الياباني الكلاسيكي بالتقنية عبر آلات حاسبة بإصدار خاص
تحول صناعي في الجريمة السيبرانية
يرى خبراء أمنيون أن الذكاء الاصطناعي حوّل الجريمة السيبرانية إلى صناعة متكاملة. فالهجمات التي كانت تتطلب فرقًا متخصصة ووقتًا طويلًا أصبحت اليوم قابلة للأتمتة والتنفيذ على نطاق عالمي، مع مستويات متقدمة من التخصيص والتخفي.
ويؤكد مسؤولو جروب آي بي أن هذا التحول لا يخلق دوافع إجرامية جديدة بقدر ما يعزز الدوافع القائمة، لكنه يرفع بشكل كبير من سرعة التنفيذ وحجم الخسائر وصعوبة الاكتشاف.
SIRBAI تكشف عن منصة ذكية لإدارة أسراب الطائرات المسيّرة المستقلة في البيئات القتالية المعقّدة
كيف يجب أن يستجيب المدافعون
تؤكد جروب-آي بي أن مواجهة الجريمة السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتطلب استراتيجيات أمنية جديدة تقودها المعلومات الاستخباراتية، مع التركيز على فهم سلوك الخصوم، ورصد أنشطتهم في الشبكة المظلمة، وتعزيز التعاون الدولي بين القطاع الخاص وجهات إنفاذ القانون.
وترى الشركة أن الذكاء الاصطناعي سيبقى سلاحًا ذا حدين، وأن التفوق في هذا السباق سيتحقق لمن ينجح في توظيفه دفاعيًا بوتيرة أسرع وأكثر ذكاءً من المهاجمين.
Thaura منصة ذكاء اصطناعي عربية تعيد تعريف الخصوصية والقيم في العصر الرقمي