تشهد شركات التكنولوجيا الكبرى تحولًا استراتيجيًا لافتًا، مع تصاعد اعتمادها على الطاقة والذكاء الاصطناعي كعنصرين مترابطين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فمع التوسع السريع في نماذج الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز بيانات عملاقة، أصبحت الكهرباء المورد الأكثر حساسية، ما دفع عمالقة التكنولوجيا إلى اقتحام قطاع الطاقة بقوة غير مسبوقة.
وبحسب بيانات منصة Workforce.ai، ارتفع التوظيف المرتبط بالطاقة داخل شركات التكنولوجيا بنسبة 34% خلال عام 2024، كما ظل أعلى بنحو 30% مقارنة بمستويات ما قبل عام 2022، وهو العام الذي انطلقت فيه الطفرة الكبرى للذكاء الاصطناعي مع الانتشار الواسع لتقنيات مثل ChatGPT.
سباق الطاقة والذكاء الاصطناعي كيف يعيد عمالقة التكنولوجيا تشكيل سوق التوظيف عالميًا

سباق الطاقة والذكاء الاصطناعي كيف يعيد عمالقة التكنولوجيا تشكيل سوق التوظيف عالميًا
أصبحت الطاقة والذكاء الاصطناعي في علاقة مباشرة، حيث تعتمد النماذج المتقدمة على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء. ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة، استحوذت مراكز البيانات على نحو 1.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء عالميًا في 2024، بزيادة بلغت 12% خلال خمس سنوات فقط.
وتشير التوقعات إلى أن هذا الرقم مرشح للارتفاع مع تسارع بناء البنية التحتية الرقمية، ما يضع شركات التكنولوجيا أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في ضمان إمدادات مستقرة ومستدامة من الطاقة.
تحوّل في نوعية الوظائف المطلوبة
لم يعد التوظيف في قطاع الطاقة داخل شركات التكنولوجيا يقتصر على وظائف الاستدامة أو خفض الانبعاثات، بل اتجه نحو أدوار تشغيلية أكثر تعقيدًا. وتشمل هذه الوظائف إدارة أسواق الطاقة، وشراء الكهرباء، وربط مراكز البيانات بالشبكات، ووضع استراتيجيات طويلة الأمد لتأمين الإمدادات.
ويؤكد خبراء التوظيف أن هذا التحول يعكس إدراك الشركات بأن مستقبل الطاقة والذكاء الاصطناعي يتطلب خبرات عملية قادرة على التعامل مع الأسواق والأنظمة الكهربائية، وليس فقط مع السياسات البيئية.
مايكروسوفت وأمازون في طليعة السباق
تتصدر مايكروسوفت قائمة الشركات الأكثر توسعًا في هذا المجال، بعدما أضافت أكثر من 570 وظيفة مرتبطة بالطاقة منذ عام 2022. ومن أبرز التعيينات، انضمام بيتسي بيك، المديرة السابقة لأسواق الطاقة والسياسات في غوغل، لتولي منصب مديرة أسواق الطاقة في مايكروسوفت.
كما عززت الشركة فريقها التنفيذي باستقطاب كارولينا ديبك هابي، المديرة المالية السابقة لشركة جنرال إلكتريك، في منصب المديرة التنفيذية للعمليات خلال 2024.
من جهتها، تتقدم أمازون على الجميع بنحو 605 تعيينات في قطاع الطاقة، تشمل وحدتها السحابية AWS، بينما أضافت غوغل قرابة 340 موظفًا منذ 2022، في محاولة للحاق بمنافسيها في سباق الذكاء الاصطناعي.
من التوظيف إلى الاستحواذ وبناء النفوذ
لم تكتفِ شركات التكنولوجيا باستقطاب الكفاءات، بل اتجهت أيضًا إلى الاستحواذ على شركات متخصصة في الطاقة ومراكز البيانات. ومن أبرز الصفقات، استحواذ ألفابيت على شركة Intersect مقابل 4.75 مليارات دولار، في خطوة تعكس الرغبة في امتلاك بنية تحتية جاهزة بدل بنائها من الصفر.
وفي مراحل مبكرة من المشاريع، تعتمد هذه الشركات على عقود مؤقتة لخبراء البناء وإدارة المشاريع وشراء الأراضي، ما يمنحها مرونة أكبر في التوسع السريع.
جيميل يتغير جذريا تجربة ذكاء اصطناعي تحول البريد الوارد إلى مركز مهام
شركات تقنية تتحول فعليًا إلى شركات طاقة
يرى خبراء التوظيف أن بعض عمالقة التكنولوجيا باتوا أقرب إلى شركات طاقة، لكنهم يفضلون الاستعانة بمصادر خارجية لبناء وتشغيل محطات التوليد، ثم شراء الطاقة عبر عقود طويلة الأجل، بدل إدارتها مباشرة.
ويُتوقع أن تنتقل الأولوية لاحقًا من مجرد تأمين الكهرباء إلى تحسين كفاءة استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، إلا أن التحدي الحالي يبقى في ضمان توفر الطاقة بأي وسيلة.
الإعلام الرقمي على حافة التحول كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم مستقبل الأخبار عالميا
منافسة محتدمة وفرص مستقبلية
هذا التوسع يضع شركات المرافق التقليدية في منافسة مباشرة مع شركات التكنولوجيا على استقطاب الخبرات النادرة، ما قد يؤدي إلى تضييق سوق الكفاءات ورفع التكاليف.
وفي المقابل، يرى محللون أن الطلب المتزايد من شركات الطاقة والذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة لشركات المرافق، خصوصًا عبر الشراكات في مجالات مثل الطاقة النووية والمفاعلات الصغيرة، كما ظهر مؤخرًا مع اتفاقيات وقّعتها شركة ميتا.
ويجمع الخبراء على أن امتلاك شركات التكنولوجيا للبنية التحتية والطاقة قد يفتح مستقبلًا دورًا أوسع لها في أسواق الكهرباء العالمية، متجاوزة كونها مجرد مستهلك للطاقة إلى لاعب مؤثر في إنتاجها وتداولها.
البيانات الرقمية ترسم خريطة الأمن الغذائي في سوريا نتائج مسح أسري شامل لعام 2025