يتجه عدد متزايد من أفراد جيل زد نحو استخدام الأجهزة البسيطة والابتعاد عن الهواتف الذكية والاتجاه نحو والهواتف الغبية، في ظاهرة تعكس رغبة متنامية في تقليل الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات واستعادة قدر أكبر من السيطرة على حياتهم الرقمية.
وتشير بيانات حديثة إلى حجم ارتباط الأجيال الأصغر بالإنترنت، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Pew Research عام 2024 أن نحو نصف المراهقين تقريبًا قالوا إنهم متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم.
وعلى عكس الأجيال السابقة التي عاشت جزءًا من طفولتها قبل انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، نشأ جيل زد وجيل ألفا في بيئة رقمية متكاملة، ما جعل الاتصال المستمر جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية.
لكن هذا الواقع بدأ يدفع بعض الشباب إلى البحث عن تجربة مختلفة، من خلال تقليل حضورهم على المنصات الاجتماعية والعودة إلى أجهزة أكثر بساطة، وعلى رأسها الهواتف التقليدية.
الهواتف الغبية تعكس رغبة جيل زد في الانفصال الرقمي
أصبحت الهواتف الغبية والانفصال الرقمي جزءًا من توجه متنامٍ بين بعض أفراد جيل زد، الذين يرون أن الاستخدام المتواصل للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي يستنزف وقتهم وتركيزهم.
ويعرف هذا التوجه باسم الانفصال الرقمي، ويقوم على تقليل الاعتماد على الإنترنت والأجهزة المتصلة بهدف الابتعاد عن التمرير المستمر والإشعارات التي تجذب انتباه المستخدم طوال اليوم.
وتأتي الهواتف التقليدية في مقدمة الأدوات التي يعتمد عليها الراغبون في تقليل استخدام التكنولوجيا، لأنها توفر الوظائف الأساسية مثل المكالمات والرسائل، دون التطبيقات والخدمات التي تشجع على قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة.
ورغم أن سوق هذه الأجهزة لا يزال أصغر بكثير من سوق الهواتف الذكية، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية نموه خلال السنوات المقبلة، مع زيادة الاهتمام بأسلوب حياة أكثر هدوءًا وأقل ارتباطًا بالعالم الرقمي.
وسائل التواصل الاجتماعي تعيد شعبية الهواتف القديمة
المفارقة أن منصات التواصل الاجتماعي نفسها ساهمت في انتشار موجة العودة إلى الهواتف التقليدية، بعدما أصبحت حملات تدعو إلى إعادة استخدام الأجهزة القديمة تحظى بانتشار واسع بين الشباب.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك انتشار وسم #bringbackflipphones على TikTok، إلى جانب حملات أخرى تستعيد شعبية أجهزة كانت منتشرة قبل عصر الهواتف الذكية.
وشهدت شركات متخصصة في تصنيع الهواتف البسيطة نموًا ملحوظًا في الاهتمام بمنتجاتها. كما أعادت HMD طرح هاتف Nokia 3210 بتصميم مستوحى من النسخة الشهيرة التي ظهرت في بداية الألفية.
وأفادت شركة Light، المطورة لهواتف تركز على تقليل المشتتات الرقمية، بأن عدد مستخدمي أجيال أجهزتها الثلاثة تجاوز 100 ألف مستخدم.
كما قالت شركة Punkt السويسرية إنها تبيع عشرات الآلاف من الهواتف سنويًا، في مؤشر على وجود شريحة من المستهلكين تبحث عن بدائل أبسط للهواتف الذكية التقليدية.

جيل زد والهواتف الغبية.. هل تقود التكنولوجيا القديمة ثورة ضد إدمان الشاشة؟
ثقافة Newtro تعيد التكنولوجيا القديمة إلى الواجهة
لا تقتصر عودة التكنولوجيا القديمة على الهواتف فقط، بل تأتي ضمن اتجاه ثقافي أوسع يعرف باسم Newtro، وهو مزيج من الحنين إلى الماضي وإعادة تقديم عناصره بطريقة تناسب العصر الحالي.
ويظهر هذا الاتجاه في اهتمام جيل زد بالأجهزة التي كانت منتشرة خلال حقبة Y2K، مثل الهواتف القابلة للطي ومشغلات الموسيقى القديمة وسماعات الرأس السلكية.
كما عادت أسطوانات الفينيل وأشرطة الكاسيت وأجهزة Sony Walkman إلى دائرة الاهتمام، بالتزامن مع تجدد شعبية التصوير الفوتوغرافي باستخدام الأفلام وعودة بعض العلامات التجارية القديمة إلى الواجهة.
وامتد تأثير هذه الموجة إلى عالم الموضة أيضًا، حيث أعاد جيل زد إحياء تصميمات مرتبطة ببداية الألفية، وهو ما دفع بعض أفراد جيل الألفية إلى إعادة استخدام قطع قديمة كانت محفوظة في خزائنهم.
وبالنسبة إلى جيل زد، لا يتعلق الأمر بالضرورة بالحنين إلى فترة عاشها بالفعل، بل بجاذبية نمط حياة أكثر بساطة وأقل ارتباطًا بالخوارزميات والإشعارات.
التخلص من إدمان الشاشة يتجاوز مجرد الموضة
يعكس الاتجاه نحو الهواتف الغبية والانفصال الرقمي رغبة أعمق لدى بعض المستخدمين في استعادة السيطرة على الطريقة التي يتعاملون بها مع التكنولوجيا.
فمع تحول الانتباه إلى عنصر أساسي في اقتصاد المنصات الرقمية، أصبحت التطبيقات مصممة بصورة تشجع على العودة المتكررة والتفاعل المستمر، الأمر الذي دفع بعض المستخدمين إلى البحث عن أدوات تقلل هذه المشتتات.
ولا يعني ذلك أن جيل زد يريد التخلي عن التكنولوجيا بالكامل، بل يسعى جزء منه إلى استخدامها بصورة أكثر انتقائية، بحيث تكون وسيلة لإنجاز المهام والتواصل بدلًا من أن تتحول إلى مصدر دائم للتشتيت.
كما ينضم بعض الآباء إلى هذا التوجه بسبب مخاوفهم من الاستخدام المكثف للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي لدى الأطفال والمراهقين.
وفي ظل توسع الذكاء الاصطناعي وتحول المزيد من الخدمات الرقمية إلى منصات تعتمد على التفاعل المستمر، قد يصبح البحث عن حياة رقمية أقل ازدحامًا اتجاهًا مستمرًا بدلًا من كونه مجرد موضة مؤقتة.
وفي النهاية، لا تبدو عودة الهواتف التقليدية محاولة للرجوع إلى الماضي بقدر ما تمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع التكنولوجيا، بحيث يقرر المستخدم متى وكيف يستخدمها، بدلًا من أن تفرض عليه الخوارزميات طريقة قضاء وقته.